محمد بن محمد ابو شهبة

173

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

العبر ، وإنا لنلمسه جليا في مقالة السادة : أبي بكر ، وعمر ، والمقداد ، وسعد بن معاذ لما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أشيروا عليّ أيها الناس » ونلمسه أيضا في مقالة عمير بن الحمام لما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض » فرمى بتمرات في يده كان يأكلها قال : إني إن حييت حتى اكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة ! ! ونحس هذا الإيمان المثالي في طلب الصدّيق أن يبارز ابنه عبد الرحمن ، وفي قتل الفاروق لخاله العاص بن هشام ، وقتل أبي عبيدة لأبيه ، ومصعب بن عمير لأخيه ، وفي مقالة أبي حذيفة لما رأى أباه عتبة وقد مات على الكفر . . . إلى غير ذلك من المواقف المشرّفة ، والمثل الإيمانية العليا . 2 - من العبر أن النصر من عند اللّه ، وأن للّه جنودا كثيرة منها الملائكة ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ واللّه سبحانه وتعالى قد أمرنا في صريح الكتاب الكريم بإعداد العدة ، وأخذ الأهبة للأعداء ، وقد بلغ النبي والصحابة المدى في هذا ، فلم يدعوا وسيلة من وسائل القوة والنصر مما يقع تحت أيديهم وفي استطاعتهم إلا اتبعوها ، فضربوا بالسيوف والحرب ، ورموا بالسهام والنبال ، وحفروا الخنادق ، وصنعوا الدبابات بما يلائم عصرهم ، وتدربوا على فنون القتال ، وتعلّموا الكر والفر ، ومع هذا كانوا على صلة وثيقة باللّه ، وتوكل عليه ، وهم على صلاح واستقامة ، لم يغتروا بعدد ولا عدّة ، وإنما يستنزلون النصر من عند اللّه . ولذلك كان النبي كثيرا ما يلجأ إلى الدعاء عند حضور المواطن ، بل ويبالغ فيه كما حدث في بدر ليثبت في نفوسهم هذا المعنى الكريم ، ولذلك لما عرض اللّه سبحانه في الكتاب الكريم لإمداد المسلمين بالملائكة ختم ذلك بقوله : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 126 .